ابراهيم بن عمر البقاعي
593
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
العظمة ، فأخبره أنه فاعل ذلك في سياق متكفل بتسليته ، وأن ذلك لم يزل سنته فيمن فعل فعلهم ، فقال - عاطفا على قوله فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ [ الأنعام : 5 ] - : وَلَقَدِ أي هذا منهم إنما هو استهزاء بك وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ أي أوقع الهزء وأوجد من الأمم ، وبني للمفعول لأن المنكي الاستهزاء ، لا كونه من معين ، وإشارة إلى أنه كان يقع لهم ذلك من الأعلى والأدنى بِرُسُلٍ . ولما كان القرب في الزمن في مثل هذا مما يسلي ، وكان كل من الاستهزاء والإرسال لم يستغرق الزمن ، أدخل الجار فقال : مِنْ قَبْلِكَ فأهلكنا من هزأ بهم ، وهو معنى فَحاقَ أي فأحاط بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ أي من أولئك الرسل ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي من العذاب الذي كانوا يتوعدون به ، وكان سببا لهزئهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 11 إلى 13 ] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) ولما علم اللّه تعالى أنهم يقولون في جواب هذا : إن هذا إلا أساطير الأولين ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما مضى من التعجيب من كونهم لم ينظروا بقلوبهم أو أبصارهم مصارع الماضين في قوله : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا [ الأنعام : 6 ] أن يأمرهم بأن يشاهدوا مصارع من تمكن في قلوبهم علم أنهم أهلكوا بمثل تكذيبهم من قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ليغنيهم ذلك عن مشاهدة ما اقترحوا فقال تعالى : قُلْ سِيرُوا أي أوقعوا السير للاعتبار ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم فِي الْأَرْضِ - الآية ، وهي كالدليل على قوله تعالى : لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ الأنعام : 6 ] . ولما كان السياق للتهديد بالتحذير من مثل أخذ الأمم الماضية ، وكان قد سلف أنه لا تقدمهم عن آجالهم ، أمهلهم في النظر فإنه أقوى في التهديد ، وأدل على القدرة ، وأدعى إلى النصفة ولا سيما والسورة من أوائل القرآن نزولا وأوائله ترتيبا فقال : ثُمَّ انْظُرُوا وأشار إلى أن هذا أهل لأن يسأل عنه بقوله : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ أي آخر أمر الْمُكَذِّبِينَ * أي أنعموا النظر وبالغوا في التفكر وأطيلوا التدبر إذا رأيتم آثار المعذبين لأجل تكذيب الرسل ، فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار وقوي الاستبصار ، وذلك إشارة إلى أن الأمر في غاية الانكشاف ، فكلما طال الفكر فيه ازداد ظهورا . ولما أمرهم سبحانه بالسير ، سألهم هل يرون في مسيرهم وتطوافهم وجولانهم